الامام الحسين

من وهج ملحمة عاشوراء

   
240 مشاهدة   |   0 تقييم
تحديث   02/11/2016 2:45 مساءا

قال تعالى في محكم كتابه العزيز: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (1)

لقد شهدت الحياة ومنذ القدم صراعا مستمرا بين الحق والباطل وبين الخير والشر وبين النور والظلام، فالقرآن الكريم يقص على الناس قصص انبياء الله وأوليائه كيف نهضوا للإصلاح وكيف قابلهم الناس، وحيث أنهم في كل مرة ينقسمون قسمين وتارة أخرى يتنمطون الى طوائف قددا.

وحينما تتحدث الاخبار الواردة في هذا الصدد تصمت كل قصص تلك الصراعات الدائرة بين الخير والشر امام ملحمة صراع عاشوراء، وحيث فيه انتفضت الحرية امام العبودية للطغاة، واعتلت الكرامة فوق جبال الأرض، وأما التضحيات فقد ناطحت الجبال الصمّ الرواسي الشامخات، واما الصمود فقد اعتلى منصة الخطابة وابلغ الكلمات الهادرة بسيلها الجارف من فوق قمم جبال المعجزات الى سهول العقول المتفكرة في عظمة الملحمة الحسينية التي سطرت أروع الدروس لتعلم الانسان كيف يصبح إنسانا.

إن معركة عاشوراء الامام الحسين (عليه السلام) هي أعظم معركة حدثت بين الخير والشر وبين الحق والباطل بين أولياء الله وهم الامام الحسين (عليه أزكى السلام) واخوته واصحابه وبين أولياء الشيطان وهم يزيد وحلفائه ومن أوصل الحكم اليه بسهوله ومكنه من رقاب المسلمين ومن جعله يأمر وينهى ويتحكم في مصير الاسلام والمسلمين.

إنه حقيق على المفكرين والعلماء وعشاق الكرامة وتلامذة الحرية ان يتعمقوا في قضية عاشوراء الامام الحسين (عليه السلام) لأجل ان يتذوقوا طعم الحياة، فان طعم الحياة لايستذوق الا بسيرة الامام الحسين عليه السلام والتي هي تحي القلوب الميتة وتنير العقول المظلمة وتنشر النور في الصدور.

ولاشك ان عاشوراء الامام الحسين عليه السلام لا يمكن إحصاء دروسه كلها ولو كانت البحار مدادا والاشجار أقلاما ولكن يمكن تلخيصها بكلمات قلم عاجز عن التعبير وآملا من الله التوفيق لينير صاحبه ومن يقرأ كلماته المتناثرات على اسطر من الاوراق في رفوف مكتبة الحياة.

فتتلخص تلك الثورة الخالدة في أمور متعددة ألا وإن أولها وصدارتها هوالإصلاح والذي هو روح نهضة الامام الحسين (عليه السلام) وحيث صرّح هو بنفسه عليه السلام عن سر نهضته حينما قال إنما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمة جدي..، وهذا الاصلاح الذي يتحدث عنه الامام الحسين عليه السلام هو اصلاح مكمّل للسلسلة الاصلاحية التي ابتدأت على ايدي الانبياء والأوصياء وصولا الى جده النبي الاعظم الاكرم محمد بن عبد الله صلى الله عليه واله.

إن من اسمى مصاديق الاصلاح هو تحرير الانسان من قيود العبودية للطغاة والجبابرة واسوار الذلة وأطواق الظلال وتحرير ضمير الامة الاسلامية وإيقاضها من نومتها وسباتها بل إيقاظ الانسان اينما كان في بقاع الارض وكيفما كان وحيثما كان ومتى ماكان وفي كل العصور ولمختلف الاجيال في هذه الحياة.

وثانيها هو إحياء الرسالة الإسلامية الاصيلة حيث اراد الامام الحسين عليه السلام بنهضته العظيمة وتضحياته الجسيمة ان يحيي دين جده رسول الله صلى الله عليه واله وهو دين الاسلام حيث رأى أنه لم يبق من الاسلام الا اسمه! ولم يبق من القرآن الا رسمه ونظر الى الحق فرأى أنه لا يُعمل به والى الباطل لايُتناهى عنه فقال ليرغب المؤمن في لقاء ربه! وصرح عن سر ذلك عليه السلام بقوله إن كان دين محمد لم يستقم الا بقتلي فيا سيوف خذيني!

استطاع الامام الحسين عليه السلام بثباته وتضحياته الجسيمة ان يبين الموقف الشرعي بنمطيه النظري والعملي تجاه استبداد الطغاة والانحراف الذي اصاب الأمة وأردى الاسلام قتيلا، إلا أن التضحيات التي قدمها الحسين بن علي عليه السلام تمكنت ان تعيد الحياة الى الاسلام بكل جدارة، وكيف لا؟ ولم لا؟ والاسلام الاصيل المتمثل بمذهب أهل البيت عليهم السلام باقٍ الى يومنا هذا وخالد الى يوم الساعة! رغم كل المحاولات الرامية الى محوه وطمسه، نعم إنه بهذا كان الامام الحسين بن علي هو المنتصر الغالب وقد صرح بهذه الغلبة الباهرة وهذا الانتصار العظيم ولده الامام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام حينما سأله ابراهيم بن طلحة بن عبدالله من الغالب؟ فأجابه عليه السلام قائلا: (اذا دخل وقت الصلاة فأذّن وأقم تعرف الغالب!)/ (2).

وثالثها إحياء روح الجهاد على الطغاة والجبابرة والظالمين ورفض الذلة والخنوع للباطل وايثار الانسانية والحرية والكرامة ورضا الله على رضا الظالمين ولاسيما الحكام الذين يعملون بالباطل ويثبتون دائم ملكهم وسلطانهم على دماء الناس ويحاربون الاسلام ويقتلون الانسان، وهل استطاع الامام الحسين عليه السلام ان يبث الروح النضالية لدى الجماهير المسلمة المؤمنة به وبقضيته؟، نعم انه استطاع ان يحطم اطواق الخوف في النفوس وكسر كل القيود التي بناها معاوية ويزيد ومن ولّاهما ومكنهما من رقاب المسلمين والتحكم في قرار الاسلام، وما الثورات التي توالت بعواصفها على الظالمين بعد ثورة الامام الحسين عليه السلام كثورة التوابين وثورة المدينة ونهضة المختار الثقفي رضوان الله عليه مطرف بن المغيرة وثورة ابن الأشعث وثورة زيد الشهيد بن علي بن الامام الحسين عليه السلام وثورة أبي السرايا إلا شواهد صادقة ومصاديق طريّة ودلائل باهرة وبراهين سديدة على ترسخ الروح الجهادية لدى الجماهير المسلمة التي آمنت بمنهج الامام الحسين بن علي عليه السلام، فإذن يمكننا القول ان نهضة الامام الحسين عليه السلام كانت مفتاح الثورات النضالية المدافعة عن قيم الاسلام وعن الانسانية والحرية ومبادىء الكرامة والرافضة للظلم بكل نمطياته ودهاليزه.

ان الامام الحسين عليه السلام استطاع بنهضته ان يبث النبض الثائر وان يعيد الحياة الى الاسلام بعد ما كاد المسخ يستشري على جميع جوارحه ومعالم قيمه السامية، وان نهضته العظيمة الخالدة حافظت على حيوية دين الاسلام من المسخ واندثار شعائره وما شعيرة الصلاة والصيام والزكاة والحج الموجودة اليوم الا آيات بينات محكمات على خلود معالم دين الاسلام بفضل تلك التضحيات التي خلقت ايديلوجية جهادية ونبضا ثائرا وضميرا رافضا للذلة بكل تنميطاتها

وما نهضة اهل العراق في تأريخنا المعاصر المتمثلة بالحشد الشعبي والتي خلقت بفعل فتوى المرجعية الدينية العليا بوجوب الجهاد الكفائي للدفاع عن العراق وعن دين الاسلام وعن الانسان مهما كان مذهبه أو دينه أو قوميته وعن الأعراض والمقدسات إلا آية محكمة على استمرار النهضة الحسينية في نفوس المسلمين وأصالة قيم الإسلام.

إن هذه الآية المحكمة استطاعت بكل جدارة وبايديلوجية جهادية مستلهمة من نهضة الامام الحسين عليه السلام اجهاض عملية الاحتلال البربري الهمجيّ من قبل داعش الإرهابي ومن يمده ويدعمه ولاسيما دولة التكفير، ومن الملفت للنظر ان الذين انظموا للحشد الشعبي ليس الشيعة فقط بل حتى ابناء المذهب السني وحتى ابناء الأديان الأخرى كالنصارى وليس العرب فقط بل حتى بقية القوميات كالكرد والشبك مما يدل على ان نهضة الامام الحسين عليه السلام والنفس الثائر والرافض للذلة مترسخ في عموم الشعب العراقي بكل نمطياته بل في كل احرار العالم ولم لا وكيف لا؟ وقد انتفض الحشد وتمكن من منع حدوث المسخ الذي أوشك ان يصيب العراق بفعل الطامعين من عصابات كفار الأعراب وأغراب الدولار واليورو.

لقد علمت نهضة الإمام الحسين عليه السلام الانسان كيف يكون إنسانا وكيف لايستسلم للباطل وكيف يرفض الذلة والخنوع للظلمة وكيف يحافظ على القيم الانسانية من المسخ والتشويه.

 

الكاتب: مهند آل حسين السهلاني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)        سورة هود / الآية 88.

(2)        حياة الامام الحسين (عليه السلام): 3\440 عن أمالي الشيخ الطوسي.




اقرأ المزيد من المواضيع

الجزء الثالث عشر
09/06/2017119 مشاهدة
الجزء الثاني عشر
09/06/2017137 مشاهدة
الجزء الحادي عشر
09/06/2017123 مشاهدة
الجزء العاشر
09/06/2017117 مشاهدة
الجزء التاسع
09/06/2017117 مشاهدة
الجزء الثامن
09/06/2017126 مشاهدة

محرك البحث

آخر تحديث

الاحصائيات

Copyright © 2015 akalansari.com. All rights reserved
3:45